صفي الرحمان مباركفوري

304

الرحيق المختوم

المنزل ، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها ، واللّه غالب على أمره ، يدبر الأمر ، فوق عرشه كما يشاء ، فغلبتها عيناها ، فنامت ، فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل : إنا للّه وإنا إليه راجعون ، زوجة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ - وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش لأنه كان كثير النوم ، فلما رآها عرفها ، وكان يراها قبل نزول الحجاب ، فاسترجع وأناخ راحلته ، فقربها إليها ، فركبتها ، وما كلمها كلمة واحدة ، ولم تسمع منه إلا استرجاعه ، ثم سار بها يقودها ، حتى قدم بها ، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة ، فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته ، وما يليق به ، ووجد الخبيث عدو اللّه ابن أبي متنفسا ، فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه ، فجعل يستحكي الإفك ، ويستوشيه ، ويشيعه ، ويذيعه ، ويجمعه ، ويفرقه ، وكان أصحابه يتقربون به إليه ، فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ساكت لا يتكلم ، ثم استشار أصحابه - لما استلبث الوحي طويلا - في فراقها ، فأشار عليه علي رضي اللّه عنه أن يفارقها ، ويأخذ غيرها ، تلويحا لا تصريحا ، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها ، وأن لا يلتفت إلى كلام الأعداء ، فقدم على المنبر يستندر من عبد اللّه بن أبي ، فأظهر أسيد بن حضير سيد الأوس رغبته في قلبه ، فأخذت سعد بن عبادة - سيد الخزرج وهي قبيلة ابن أبي - الحمية القبلية ، فجرى بينهما كلام تثاور له الحيان ، فخفضهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى سكتوا وسكت . أما عائشة ، فلما رجعت مرضت شهرا ، وهي لا تعلم عن حديث الإفك شيئا ، سوى أنها كانت لا تعرف من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اللطف الذي كانت تعرفه حين تشتكي ، فلما نقهت خرجت مع أم مسطح إلى البراز ليلا ، فعثرت أم مسطح في مرطها ، فدعت على ابنها ، فاستنكرت ذلك عائشة منها ، فأخبرتها الخبر ، فرجعت عائشة واستأذنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لتأتي أبويها وتستيقن الخبر ، ثم أتتهما بعد الإذن حتى عرفت جلية الأمر ، فجعلت تبكي ، فبكت ليلتين ويوما ، لم تكن تكتحل بنوم ، ولا يرقأ لها دمع ، حتى ظنت أن البكاء فاتق كبدها ، وجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك ، فتشهد وقال : « أما بعد يا عائشة ، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ، ثم تاب إلى اللّه تاب اللّه عليه » . وحينئذ قلص دمعها ، وقالت لكل من أبويها أن يجيبا ، فلم يدريا ما يقولان ، فقالت : واللّه لقد علمت ، لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم ، وصدقتم به ، فلئن قلت لكم : إني بريئة - واللّه يعلم أني بريئة - لا تصدقوني بذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر - واللّه يعلم إني منه